الشيخ محمد رشيد رضا
295
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
المقطعة في أوائل بعض السور . واما المعنى العاشر فهو على ما يتضمنه من نفي الاختلاف والتباين يفيدنا إيضاح وجوب تدبر القرآن وكونه مما يسره اللّه لكل عارف بهذه اللغة قال ) « ومعنى عاشر وهو انه سهل سبيله ، فهو خارج عن الوحشي المستكره ، والغريب المستنكر ، وعن الصنعة المتكلفة ، وجعله قريبا إلى الافهام ، يبادر معناه لفظه إلى القلب ، ويسابق المغزى منه عبارته إلى النفس ، وهو مع ذلك ممتنع المطلب ، عسير المتناول ، غير مطمع مع قربه في نفسه ، ولا موهم مع دنوه في موقعه ، أن يقدر عليه ، أو يظفر به ، فأما الانحطاط عن هذه الرتبة إلى رتبة الكلام المبتذل ، والقول المسفسف ، فليس يصح أن تقع فيه فصاحة أو بلاغة فيطلب فيه التمنع ، أو يوضع فيه الاعجاز ، ولكن لو وضع في وحشيّ مستكره ، أو غمر بوجوه الصنعة ، وأطبق بأبواب التعسف والتكلف ، لكان لقائل أن يقول فيه ، ويعتذر ويعيب ويقرع ، ولكنه أوضح مناره ، وقرب منهاجه ، وسهل سبيله ، وجعله في ذلك متشابها متماثلا ، وبين مع ذلك اعجازهم فيه ، وقد علمت أن كلام فصحائهم ، وشعر بلغائهم ، لا ينفك من تصرف في غريب مستنكر ، أو وحشيّ مستكره ، ومعان مستبعدة ، ثم عدولهم إلى كلام مبتذل وضيع لا يوجد دونه في الرتبة ، ثم تحولهم إلى كلام معتدل بين الامرين ، متصرف بين المنزلتين ، فمن شاء ان يتحقق هذا نظر في قصيدة امرئ القيس * قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل * ونحن نذكر بعد هذا على التفصيل ما يتصرف اليه هذه القصيدة ونظائرها ومنزلتها من البلاغة ونذكر وجه فوت نظم القرآن محلها على وجه يؤخذ باليد ويتناول من كثب ويتصوّر في النفس كتصور الاشكال ليبين ما ادعيناه من الفصاحة العجيبة للقرآن » اه تدبر القرآن وما يتوقف عليه حاصل معنى الآية الكريمة ان تدبر القرآن وتأمل ما يهدي اليه بأسلوبه الذي امتاز به هو طريق الهداية القويم ، وصراط الحق المستقيم ، فإنه يهدي صاحبه إلى كونه من عند اللّه وإلى وجوب الاهتداء به لكونه من عند اللّه الرحيم بعباده ، العليم بما يصلح به أمرهم ، مع كون ما يهدي اليه معقولا في نفسه لموافقته للفطرة ، وملاءمته للمصلحة ، وفيه ان تدبر القرآن فرض على كل مكلف لا خاص بنفر يسمون المجتهدين